يوسف بن أبي بكر السكاكي
38
مفتاح العلوم
أصولا لائقة ، وأوردت حججا مناسبة ، وقررت ما صادفت من آراء السلف ، قدس اللّه أرواحهم ، بقدر ما احتملت من التقرير ، مع الإرشاد إلى ضروب مباحث قلّت عناية السلف بها ، وإيراد لطائف مفتنة ما فتق أحد بها رتق إذن . وها أنا ممل حواشي جارية مجرى الشرح للمواضع المشكلة ، مستكشفة عن لطائف المباحث المهملة ، مطلعة على مزيد تفاصيل في أماكن تمس الحاجة إليها ، فاعلا ذلك كله عسى إذا قيض في اللحد المضجع ، أن يدعى لي بدعوة تسمع . هذا واعلم أن علم الأدب متى كان الحامل على الخوض فيه مجرد الوقوف على بعض الأوضاع ، وشيء من الاصطلاحات ، فهو لديك على طرف الثمام « 1 » . أما إذا خضت فيه لهمة تبعثك على الاحتراز عن الخطأ في العربية ، وسلوك جادة الصواب فيها ، اعترض دونك منه أنواع تلقى لأدناها عرق القربة « 2 » ، لا سيما إذا انضم إلى همتك الشغف بالتلقي لمراد اللّه تعالى من كلامه « 3 » ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
--> ( 1 ) في ( ط ) ( التمام ) وما أثبتناه من ( د ) . والثّمام : نبت معروف في البادية ولا تجهده النعم إلا في الجدوبة . . . والعرب تقول للشئ الذي لا يعسر تناوله : ( هو على طرف الثّمام ) ، وذلك أن الثّمام لا يطول فيشقّ تناوله . لسان العرب . مادة ( ثمم ) . ( 2 ) عرق القربة : في اللسان : خ خ وقيل : لقيت منه عرق القربة ، أي شدّة ومشقة ومعناه : أن القربة إذا أعرقت وهي مدهونة خبث ريحها . خ خ وفي حديث عمر : ألا لا تغالوا صدق النساء ، فإن الرجال تغالى بصدقها حتى تقول جشمت إليك عرق القربة ، قال الكسائي : عرق القربة أن يقول لك وتكلفت وتعبت حتى عرقت كعرق القربة ، وعرقها سيلان مائها ، وقال أبو عبيدة : تكلفت إليك ما لا يبلغه أحد حتى تجشمت ما لا يكون ، لأن القربة لا تعرق ، وهذا مثل قولهم : حتى يشيب الغراب ، ويبّيض القار . . . إلخ لسان العرب . مادة ( عرق ) . ( 3 ) من هنا نعلم الغاية من وراء الأدب وعلومه عند القدماء : ألا وهي الاحتراز عن الخطأ في العربية ، وتلك هي الهمّة الدنيا ، أما الهمّة العليا ، والغاية العظمى ، والمقصد الأسمى لديهم فهو التلقي لمراد اللّه تعالى من كلامه ، وحسبك بها غاية ومقصدا نبيلا ، فأين ذلك من دعاة العبث اليوم ، الذين يرفعون -